السيد هاشم البحراني

530

البرهان في تفسير القرآن

أسكنتهم فيها ، فعملوا بالمعاصي ، وغيروا ديني ، وبدلوا نعمتي كفرا ، فبي حلفت ، لأمتحننهم بفتنة يظل الحليم فيها حيرانا ، ولا سلطن عليهم شر عبادي ولادة ، وشرهم طعاما ، فيسلطن عليهم بالجبرية فيقتل مقاتليهم ، ويسبي حريمهم ، ويخرب ديارهم التي يغترون بها ، ويلقي حجرهم الذي يفتخرون به على الناس في المزابل مائة سنة . فأخبر إرميا أحبار بني إسرائيل ، فقالوا له : راجع ربك ، فقل له : ما ذنب الفقراء والمساكين والضعفاء ؟ فصام إرميا سبعا ، ثم أكل أكلة فلم يوح إليه شيء ، ثم صام سبعا « 1 » ، فأوحى الله إليه : يا إرميا ، لتكفن عن هذا ، أو لأردن وجهك إلى « 2 » قفاك » . قال : « ثم أوحى الله تعالى إليه : قل لهم لأنكم رأيتم المنكر فلم تنكروه . فقال أرميا : رب ، أعلمني من هو حتى آتيه ، فآخذ لنفسي وأهل بيتي منه أمانا ؟ قال : ائت موضع كذا وكذا ، فانظر إلى غلام أشدهم زمانة « 3 » ، وأخبثهم ولادة ، وأضعفهم جسما ، وشرهم غذاء ، فهو ذلك . فأتى إرميا ذلك البلد فإذا هو بغلام في خان ، زمن « 4 » ، ملقى على مزبلة وسط الخان ، وإذا له أم ترمي بالكسر ، وتفت الكسر في القصعة ، وتحلب عليه خنزيرة لها ، ثم تدنيه من ذلك الغلام فيأكله . فقال إرميا : إن كان في الدنيا الذي وصفه الله فهو هذا . فدنا منه ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : بخت نصر . فعرف أنه هو ، فعالجه حتى برئ . ثم قال له : تعرفني ؟ قال : لا ، أنت رجل صالح . قال : أنا إرميا نبي بني إسرائيل ، أخبرني الله أنه سيسلطك على بني إسرائيل فتقتل رجالهم ، وتفعل بهم كذا وكذا - قال - : فتاه « 5 » الغلام في نفسه في ذلك الوقت ، ثم قال إرميا : اكتب لي كتابا بأمان منك . فكتب له كتابا ، وكان يخرج إلى الجبل ويحتطب ، ويدخله المدينة ويبيعه ، فدعا إلى حرب بني إسرائيل فأجابوه ، وكان مسكنهم في بيت المقدس ، وأقبل بخت نصر ومن أجابه نحو بيت المقدس ، وقد اجتمع إليه بشر كثير ، فلما بلغ إرميا إقباله نحو بيت المقدس ، استقبله على حمار له ومعه الأمان الذي كتبه له بخت نصر ، فلم يصل إليه إرميا من كثرة جنوده وأصحابه ، فصير الأمان على قصبة أو خشبة ورفعها ، فقال : من أنت ؟ فقال : أنا أرميا النبي الذي بشرتك بأنك سيسلطك الله على بني إسرائيل ، وهذا أمانك لي . فقال : أما أنت فقد أمنتك ، وأما أهل بيتك فإني أرمي من هاهنا إلى بيت المقدس ، فإن وصلت رميتي إلى بيت المقدس فلا أمان لهم عندي ، وإن لم تصل فهم آمنون . وانتزع قوسه ورمى نحو بيت المقدس ، فحملت الريح النشابة حتى علقتها في بيت المقدس ، فقال : لا أمان لهم عندي . فلما وافى نظر إلى جبل من تراب وسط المدينة ، وإذا دم يغلي وسطه ، كلما ألقي عليه التراب خرج وهو يغلي ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : هذا [ دم ] نبي كان لله ، فقتله ملوك بني إسرائيل ودمه يغلي ، وكلما ألقينا عليه التراب خرج يغلي .

--> ( 1 ) في المصدر زيادة : وأكل أكلة ، ولم يوح إليه شيء ، ثمّ صام سبعا . ( 2 ) في المصدر : في . ( 3 ) الزّمانة : مرض يدوم . « المعجم الوسط - زمن - 1 : 401 » . ( 4 ) الزّمن : وصف من الزّمانة ، أي مريض . ( 5 ) تاه : تحيّر أو تكبّر . « الصحاح - تيه - 6 : 2229 » .